طباعة

سيد القلم

 هناك صنف من الناس يمرُّ من الدنيا مرور الكرام، يمر و لم يحظى منها بشيء سوى رقم في دفتر من دفاتر الحالة المدنية ببلدية إقامته! يمر ولم يُسجل أثرا في دنياه، ولم تُثره، ولم يُفدها ولم تُفده، يقضي عمره كله بمعزل عنها حظه منها وحظها منه أكل، وشربن وفراش يأوي إليه في ليله.

رضوان  دردار
رضوان دردار
119
المرحوم  الاعلامي محمد الصالح بن حمودة المرحوم الاعلامي محمد الصالح بن حمودة

وهناك صنف أخر من الناس، من يقتحم الحياة بنفسية محارب، ويدخل في غمارها، ومشكلاتها بشجاعة وثقة، يجاهد ويجهر بالحق ويصدع به ويقذف به في وجه الباطل، فيكتب لنفسه بنفسه تاريخ ميلاده، وبقائه حتى بعد موته. 
فالعبرة ليست بالوجود في الحياة، لكن العبرة بما يكتبه ذو العزم، وصادٍقو الهمّة، والعظماء الواعون بأدوارهم على أساس من وعيهم برسالتهم، ومواريثهم البيئية والذاتية، وعلى أساس هذا التمايز في النشأة والتكوين والوعي بالمسؤولية، والرسالة كان من الأسماء ما يستوقفك من بعيد، وكأنه هامة شامخة، أو قمة جبل سامقة، وتُطلُ عليك وكأن تاريخًا مُضيئًا يُشع بنوره، ويملأ جوانحك بالعبق والنغم والضياء.
سمعت مرة زميل صحفي يقول , عندما يَقِلُ الرجال يتطلع الناس إلى الماضي، ليعيشوا مع أولئك الرجال العظام الذين أدّوا خدمات جليلة بحكمتهم ومواقفهم الشجاعة، لأن الناس لابد لهم من قدوة.
ومن هؤلاء الرجال: عمي محمد الصالح بن حمودة من صفوة مجتمعنا، و من أعلام الإعلاميين... هو نموذجٌ لن يُكرره الزمن، بيد أنه مازال ماثلًا في عقولنا وقلوبنا، إنه الحاضر الغائب، الذي رحل عن دنيانا، بعد مسيرة صُحفية ثرية في الصحافة الوطنية، في مثل هذا اليوم من شهر ماي سنة 2016، في مؤشر جديد على انتقاص الجزائر من أعلام الإعلام وصناديده!، هكذا هي الحياة: جيل يتلوه جيل، ونموذج خيّر يخلفه نموذج أخر.
إنه- والله- ليؤلمني أن نفقد صوته الرخيم، و لغته الفصيحة النصيحة، ونحته لحلو العبارات وجميل الكلمات، وعلو كعبه في الأدب، وامتلاكه لناصية البلاغة، وأستاذيته في أصول الإعلام، مع تواضعٍ جمٍ وأدبٍ راقٍ، وموفور حياء، ورقة طبعٍ، وحسن سمتٍ.
رحمك الله يا أبى أيمن، كنت أستاذي، منك تعلمت، وبك بلغت، وعلى دربك سأواصل، نم قرير العين يا سيد القلم.