عاجل
قايد صالح: الجيش لن يكون طرفا في الحوار حتى انتخاب رئيس جديد للبلادالإثنين، 02 أيلول/سبتمبر 2019 18:17
مفتي جمعية العلماء المسلمين يعلن دعم تنظيم انتخابات 12 ديسمبرالثلاثاء، 24 أيلول/سبتمبر 2019 12:52
إقالة مدير الصحة بالوادي ومسؤولي مستشفى توفي به 8 رضعالثلاثاء، 24 أيلول/سبتمبر 2019 12:51
تحديث : الأربعاء, 24 نيسان/أبريل 2019 15:54

عز الدين جرافة: بن صالح يدرك تمام الإدراك بأن مهمته مستحيلة التنفيذ

يتوقع الناشط السياسي، عز الدين جرافة، انفراجا قريبا في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وذلك بعد ما اعتبرها بالنهاية الوشية لرموز نظام الحكم السابق، وبقايا ما عرف بت"العصابة"، ويؤكد في هذا الحوار مع "أنا نيوز" بأن رئيس الدولة، عبد القادر بن صالح متيقن بأن المهمة التي تولاها مستحيلة التنفيذ، وأنه من الضروري فسح المجال أما شخصيات وطنية تحضى بدعم الحراك في تسيير المرحلة الانتقالية، وعلى رأس مهامها تنظيم انتخابات رئاسية نظيفة وديمقراطية.

حوار: سامي مهدي
حوار: سامي مهدي
884
عز الدين جرافة، ناشط سياسي عز الدين جرافة، ناشط سياسي صورة: أرشيف

بداية نود معرفة تصوركم للوضع السياسي القائم في البلاد، وما هو مستقبل الحراك الشعبي المطالب بتغيير جذري والذي دخل أسبوعه العاشر، ولازال سلميا، وهل أنتم متفائلون؟

تعيش الجزائر هذه الأيام أوضاعا جد معقدة على المستوى الجيو/سياسي كما تواجه تحديات إقليمية ودولية متشابكة.. وقد تزامن ذلك مع وضع داخلي خطير للغاية تطبعه تجاذبات وخلافات سياسية حادة وغياب شبه كلي للمؤسسات السياسية المركزية على غرار شغور منصب رئيس الجمهورية فيما تم الاكتفاء بتعيين رئيس مؤقت للدولة وحكومة مكلفة بتصريف الأعمال، وكلاهما محل رفض واسع من قبل الحراك الشعبي الشامل الذي دخل أسبوعه العاشر ولا يزال  مصرا على مواصلة مسيراته و احتجاجاته السلمية.

وبذلك لم يبق للدولة سوى مؤسسة الجيش الوطني الشعبي التي توزعت جهودها بين مهامها التقليدية المتمثلة في تثبيت السيادة الوطنية وصيانة الوحدة الشعبية والترابية،  وبين حرصها على عدم وقوع انزلا قات قد تعصف بأركان الدولة من أساسها.

وفي ظل هذه التحديات الجديدة والتطورات الجيو سياسية فإنه يتعين على الجيش الوطني أن يتكيف سريعا مع متطلبات المرحلة، وأن أعظم رهان يتعين عليه رفعه بعد رهان المحافظة على السيادة والوحدة الترابية والشعبية إنما هو تعزيز العلاقة الودية والتكاملية بين الشعب وجيشه بما يضمن للحراك تجسيد مطالبه المشروعة، وبما يعينه على حصوله على حقوقه كاملة.

غير أنه بعد إعلان الجيش الوطني الشعبي عن عقيدته النوفمبرية المتجددة تجاه المسائل السالفة الذكر وشروعه في تجسيد تلك العلاقة الودية والتكاملية بينه وبين الشعب، وفور إعلان قائد أركان الجيش عن انحيازه التام لمطالب الحراك الشعبي والتزامه بحمايته من كل الأخطار، فقد برزت فجأة مخططات فرنسية وأجنبية مدعومة من بقايا البذرة الخبيثة النائمة وبقايا العصابة الفاسدة  المتخفية في أوكار الرئاسة ودواليب الدولة العميقة والتي رفضها الحراك الشعبي جملة تهدف إلى خلق وضع جديد يسمح لهم بالتحكم في المرحلة الانتقالية بما يضمن ان يكون الرئيس المقبل للجزائر على صلة بهم. ووسيلتهم في ذلك تتمثل في تحريك أطراف سياسية وإعلامية باتجاه مزيد من التأزم للوضع الحالي وربما خلق فتنة بين الجزائريين تنتج  فوضى عارمة تكون مدخلا للقوى الأجنبية المتربصة بالجزائر.

في الواقع مؤشرات تبشر بمستقبل واعد للشعب الجزائري الذي يبدو بأنه قد تحرر من عقدة الخوف وبات أكثر وعيا وتنظيما وأقوى عزيمة وإصرارا على بلوغ كافة أهدافه بسلمية كاملة ومن دون اللجوء الى أية وسيلة عنيفة.

ودون لأن نتجاهل بأن أطرافا أخرى تسعى لاختراق هذا الحراك أو إثارة البلبلة في صفوفه أو توجيهه نحو وجهة أخرى ومطالب أخرى.

وانطلاقا من هذه الأهداف المشبوهة فإن بقايا "العصابة" لن تتوان في تسريب معلومات مغلوطة حول الجيش الوطني وقيادته الحالية بغية التشويش على الحراك الشعبي خصوصا.

وهذا ما أضاف تحديا جديدا أمام الجزائر وهو في جوهره أخطر من التحديات التقليدية التي أشرنا إليها أعلاه  وذلك بالنظر إلى أهدافه الهدامة وإلى أسلوبه الماكر.

وعلى الرغم من تلك الألغام جميعها فإن الحراك الشعبي السلمي دخل أسبوعه العاشر بنفس الوتيرة وبنفس العزيمة والإصرار على مواصلة حراكه إلى أن تتحقق جميع مطالبه.

وقد سجل الواقع مؤشرات تبشر بمستقبل واعد للشعب الجزائري الذي يبدو بأنه قد تحرر من عقدة الخوف وبات أكثر وعيا وتنظيما وأقوى عزيمة وإصرارا على بلوغ كافة أهدافه بسلمية كاملة ومن دون اللجوء الى أية وسيلة عنيفة.

وقد صار عصيا على كل محاولات اختراقه أو تغيير وجهته ومطالبه بفضل مناعته الذاتية.

كما قد ثبت بالدليل أنه حقق لحد الآن مطالب عجزت عن تحقيقها أحزابا وجمعيات ونقابات ومنها مطلب رفض العهدة الخامسة للرئيس المعزول ثم مطلب رفض تمديد العهدة الرابعة ورفض خارطة الطريق لبقايا العصابة الحاكمة على غرار رفض الباءات الثلاثة والتي سقط منها بلعيز من على رأس المجلس الدستوري وهو مؤشر باعث على التفاؤل بشأن مستقبل الحراك.. وأما المؤشر الثالث الذي لا يقل أهمية فقد تمثل في محافظة  الحراك على العلاقة الجيدة لحد الآن بين المتظاهرين السلميين والجيش، وعدم تأثرها بالدعايات والتسريبات من قبل دعاة الفتنة.

وأخيرا وليس آخرا يمكن أن نلفت إلى مؤشر لا يقل أهمية عن سابقيه وهو التأكيدات المستمرة لقيادة الجيش الوطني على وقوفها إلى جانب الشعب والتزامها بحماية المتظاهرين السلميين وهو ما ظهرت آثاره  في الميدان عبر مختلف المسيرات وآخرها الجمعة التاسعة.. وإذا كنا لا ننكر بأن الانجازات تتحقق ببطء لكن مسيرات الجمعة الأخيرة أكدت بأن شباب الحراك مصممين على الاستمرار في هذه المسيرات ولو اقتضى الأمر 200 أسبوع إضافي في إشارة إلى أنهم لن يملوا ولن تتوقف مسيراتهم حتى تتحقق جميع مطالبهم.

إنطلاقا من كل ما سبق ذكره من الشواهد والأدلة  ومن المبشرات  فأنا شخصيا متفاءل بمستقبل واعد للشعب بكامله.

في آخر جمعة من جمعات الحراك، كان المطلب واضحا، وهو ذهاب بن صالح، بينما الجيش يتمسك بالحل الدستوري، كيف يمكن تجاوز معضلة رئيس الدولة المرفوض شعبيا؟

واضح تماما بأن الحراك الشعبي متمسك بمطلبه برحيل الباءات الثلاثة بل وبرموز العصابة  التي أشارت إليها قيادة الأركان، وقد سقطت إحدى تلك الباءات ولا تزال أخرى لكنها على وشك السقوط.

وقد طالب الحراك الشعبي برحيل بن صالح مباشرة بعد تعيينه رئيسا للدولة ثم توعدوه بالإسقاط  كما أسقطوا بوتفليقة ذاته، إن هو أصر على التمسك بمنصبه الجديد والأكيد أنهم سوف يصعدون في لهجتهم  أكثر وربما سوف يستعملون وسائل لا تخطر على باله.

أما فيما يخص السيد بن صالح فهو نفسه بات يدرك  تمام الإدراك بأن مهمته الجديدة مستحيلة التنفيذ وخاصة عندما  رفض معظم من وجهت لهم الدعوة لحضور ندوة الحوار من أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات وشخصيات وطنية عديدة بما فيها الشخصيات التي كان يعول على حضورها وأما الحراك الشعبي فلم يجد منفذا إليه لاسيما بعد أن أعلن نشطاه سلفا بأن كل من يلتحق ببن صالح بهدف الحوار فهو لا يمثل الحراك في شيء.. وهكذا يظهر بأن كل المؤشرات الموضوعية تدل على أن السيد بن صالح سوف يجد نفسه مضطرا للإعلان عن فشل مهمته المحددة زمنيا ولم يبقى أمامه سوى تقديم استقالته لكي يفسح المجال أمام خارطة طريق جديدة سوف يتم الإعلان عليها لاحقا..  وأما القول بأن القيادة العسكرية متمسكة بالدستور فهو كلام غير منصف أو غير دقيق..إذ بالرجوع لإلى البيان الأول للجيش الوطني والمتعلق بحل الأزمة السياسية التي تعصف بالبيان فإننا نقرأ بوضوح بأن الجيش تحدث عن حل توافقي ومقبول وبحيث يكون منسجما مع مطلب الحراك الشعبي الشرعي.. وفي ذات الوقت اختار الوسائل الدستورية ما أمكن.

وانطلاقا من ذلك التصور العام طالب بتفعيل المادة 102م ولاسيما البند المتعلق بحالة شغور منصب رئيس الجمهورية.. وبعد ذلك اللغط الذي شهدته الساحة الإعلامية داخليا وخارجيا، عاود التأكيد على حتمية تفعيل المادة 102 والمادة 7 والمادة 8 من الدستور بما يضمن الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي المتزايد وقد كان ذلك في 30مارس 2019م  وهو ما دفع بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة في 2 أفريل 2019م  وهو ما فتح الباب أما تطبيق الإجراءات الدستورية التي أفضت إلى تعيين بن صالح بصفته رئيسا لمجلس الأمة رئيسا مؤقتا للدولة لفترة 90 يوما وبمهمة محددة دستورا وهي تحضير الانتخابات الرئاسية.

غير أن الحراك الشعبي لم يقبل ببن صالح  مشرفا على المرحلة الانتقالية ولا مؤتمنا على الانتخابات الرئاسية المقبلة  باعتباره أحد رموز عصابة  بوتفليقة المعزول ولا يؤتمن جانبه وقد طالب الحراك كما أسلفنا برحيله إلى جانب الباءات الثلاثة.. ولأن الجيش الوطني متمسك بحل يضمن الشروط الثلاثة المشار إليها أعلاه وتماشيا مع صيرورة الأحداث فقد لمح قائد أركان الجيش الفريق قايد صالح إلى أنه منفتح على كافة الحلول التي تدفع باتجاه حل نهائي للازمة  وبما يحقق مطالب المتظاهرين لأن ذلك هو الضمانة الوحيدة لوحدة واستقرار البلد.

وعليه فإنه إذا تم الإقرار بأن إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها بات مستحيلا بحكم الواقع والظروف  فسوف يتم اللجوء الى خارطة طريق أخرى ربما سيقع الإعلان عنها لاحقا..وبهذا يتم التخلص من الريس المقت بن صالح وتدخل الجزاير في مرحلة انتقالية محددة زمنيا تشرف عليها هيئة رئاسية من ثلاثة أشخاص لا يكونون محل اعتراض من قبل الحراك ويعملون بالتنسيق والتشاور مع القيادة العسكرية الحالية ريثما تهيأ الظروف والآليات لإجراء انتخابات رئاسية ترضى بها كافة الاطراف.

هل بمقدور رئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، احتواء الوضع والذهاب إلى الانتخابات الرئاسية التي حددها بتاريخ 4 جويلية القادم؟

إذا أخدنا في الحسبان الظروف الصعبة والمعقدة التي تمر بها البلاد وفي مقدمتها الاحتقان الحاصل بين الحراك الشعبي ومختلف رموز السلطة التي عملت مع الرئيس السابق بوتفليقة ومنهم بن صالح وبدوي، وأخذنا في الحسبان المدة الزمنية التي فرضتها خارطة الطريق التي أفرزتها المادة 102 وما تلاها من إجراءات دستورية والتي حددت الانتخابات الرئاسية في 4جويلية 2019م فإن كل المؤشرات توحي بأن التحديات أمام بن صالح كبيرة وربما تكون فوق طاقته مما يجعل رهانه على احتواء هذا الوضع بما يتيح له الذهاب الى الانتخابات الرئاسية هو رهان صعب جدا إن لم يكن مستحيلا.

اليوم الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية والنقابات والشخصيات الوطنية الكبيرة والمعروفة اجتماعيا هي منخرطة في الحراك الشعبي ورافضة للحوار مع بن صالح بل ورافضة للمشاركة في هذه الانتخابات التي حدد تاريخها قبل تحضير الأجواء وفي مقدمتها تقديم الضمانات الكفيلة بنزاهة  وشفافية هذه  الانتخابات..وهو ما يزيد في تعقيد مهمة بن صالح ويدفع به نحو إعلان فشله.

دعا بن صالح بعض الشخصيات ومن اسماهم بممثلين عن الحراك إلى ندوة وطنية، ما رأيكم في هذا التحرك من بن صالح، وهل تملك الشخصيات المدعوة أحقية تمثيل الشعب أو على الأقل الحراك الشعبي؟

من أهم ميزات هذا الحراك الشعبي أنه ليست له زعامة ولا جهة محددة تقوده او تنطق باسمه فضلا عن ان تتفاوض باسمه فهو يرفع مطالبه بنفسه منذ الجمعة الأولى التي احتضنت مسيرات 22 فيفري 2019م والتي كان شعارها المركزي (لا للعهدة الخامسة.الجزائر في خطر) ووصولا الى المطالبة برحيل الباءات الثلاثة (بلعيز..بدوي وبن صالح).

ولقد حاولت أطرافا عديدة ان تدفع نحو إيجاد هيئة قيادية لهذا الحراك لكنها فشلت..فيما استمرت المسيرات لتسعة أسابيع متتالية وبتنظيم محكم وبسلمية كاملة وبأعداد متزايدة تصاعديا..وقد أعلن هذا الحراك الشعبي بوسائله الخاصة بأنه لا يقبل الحوار مع بن صالح أصلا ولن يشارك في الندوة الوطنية المرتقبة والتي سوف تكون تحت إدارة وإشراف بن صالح.

كما أعلن بأنه لن يمثله لا جمعيات وشخصيات ولا نقابات ولا أحزابا.. وان كل من يلتحق بهده الندوة سوف يطرد من هذا الحراك، ومن ثمة فإن سعي بن صالح لعقد ندوة تمثيلية هو سعي نحو سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.. وهو لا يعدو الا ان يكون مضيعة للجهد والوقت وتسويف للحل الصحيح.. وها هو الواقع قد كشف ذلك وسوف يضطر بن صالح لتقديم استقالته بعد أن يتأكد من استحالة مهمته في موعدها المحدد.  

من الشعارات التي شهدناها في المليونيات السلمية، التنديد بالتدخل الفرنسي خاصة والأجنبي بصفة عامة، إلى أي حد تستطيع فرنسا التأثير في الوضع القائم في البلاد، وكيف يمكن وضع حد للهيمنة الفرنسية على الجزائر وقرارها السياسي؟

ليس هناك أدنى شك عند الجزائريين والجزائريات بأن فرنسا الرسمية ظلت على الدوام تحشر أنفها في الشأن الداخلي للجزائر وقد حاولت باستمرار ان تفرض وصايتها على صانعي القرار في الجزائر عبر مختلف المحطات، بل وقد أنشأت خلايا نائمة داخل بعض أجهزة الدولة الحساسة  بما في ذلك الجيش والإدارة الجزائرية انطلاقا من الأيام الاولى للإستقلال، وقد أكد الواقع أن هذه الخلايا كانت تمدها بالمعلومات وتتحرك عند الحاجة في الاتجاه الذي تريد فرنسا.

الجيش استعاد عقيدته الوطنية النفمبرية واستعاد أيضا سيطرته على تسيير شؤونه العسكرية بعيدا عن الوصاية الفرنسية والأجنبية

لكن فرنسا في السنوات الأخيرة بدأت تشعر بأنها على وشك فقدانها للسيطرة على جزء هام من أدوات التأثير في صناعة القرار في الجزائر ولا سيما في مؤسسة الجيش الوطني الذي استعاد عقيدته الوطنية النفمبرية واستعاد أيضا سيطرته على تسيير شؤونه العسكرية بعيدا عن الوصاية الفرنسية والأجنبية..فحاولت الاستنجاد بالرئيس عبد العزيز بوتفبسقة.. ثم بالرئاسة عبر السعيد بوتفليقة وبعض معاونيه، لكنها لم تحقق ما حلمت به في هذا المجال.

فيما فتحت مؤسسة الجيش قنوات اتصال وتعاون مع روسبا وأمريكا في مجال التسلح  وهو ما أزعج فرنسا الرسمية  وأجج لديها نار الحقد  تجاه الجيش الوطني بعقيدته وقيادته الحالية.

وحركت أدواتها وخلاياها النائمة من بقايا البذرة الخبيثة المتواجدة قي مختلف المواقع الحساسة.. وقد استمرت هذه العلاقة المتوترة بين الطرفين الى أن اندلعت الشرارة  الأولى للحراك الشعبي المبارك يوم 22فيفري2019م .وعندها حاولت فرنسا الرسمية ان تحشر أنفها من جديد عله يكون لها دورا رياديا أو توجيهيا على الأقل ..لكنها أصيبت بصدمة كبيرة عندما عجزت رغم كل مجوداتها عن اختراق هذا الحراك او توجيهه.

وقد ازدادت هواجسها عندما لاحظت تلك القوة الجماهيرية السلمية وهي ترفع شعاراتها ضد كل أنواع التدخل الأجنبي عموما والفرنسي خصوصا ، وقد سجلت مخابراتها الموجودة في الجزائر كل تلك النداءات التي كانت تنبعث من حناجر شباب الحراك ( يا ماكرون هز كلابك ..الجزائر ما هيش بلادك).. لكن أقصى درجات هواجس المخابرات الفرنسية  تجاه الجيش الجزائري كانت عندما وقف الجيش الوطني الى جانب المتظاهرين السلميين واصفا مطالبهم بالمشروعة. فيما كانوا ينتظرون وقوع حرب أهلية وصدامات عنيفة بينهما  وفق ما خططوا لها.

فرنسا الرسمية تبحث عن بدائل أخرى وعن وسائل جديدة تكون اقدر على زرع بذور الفتنة والشقاق بين المتظاهرين وقيادة الجيش الحالية

لكن الجيش الوطني الشعبي بعقيدته العسكرية النوفمبرية خيب آمالهم من جديد ودفع بفرنسا الرسمية الى البحث عن بدائل أخرى وعن وسائل جديدة تكون اقدر على زرع بذور الفتنة والشقاق بين المتظاهرين وقيادة الجيش الحالية، باعتبارها فاسدة مثل بوتفليقة وتستحق الرفض، بل إنها تستحق المحاكمة كباقي القيادات السياسية التابعة للعصابة.

وهو المسعى الذي حاولت فرنسا الرسمية تحقيقه عبر مطالبة بعض الاحزاب السياسية والشخصيات ذات الولاء الفرنسي المعلوم حيث شنوا حملة إعلامية مروجين لهذه الفتنة  ومطالبين بمحاكمة قائد الأركان لأنه تدخل باسم الجيش لحل الأزمة السياسية ووقف إلى جانب الشعب حيث اعتبروا ذلك تدخلا في السياسة.. وهي أصوات ناعقة و شاذة شهد الواقع بأنها لم تحدث أي تأثير على مجريات الإحداث بل ظلت كمثل صيحة في واد  غير ذي زرع  وخاصة  بالنظر الى الوعي الكبير الذي تحلى به المواطنون عموما والمتظاهرون خصوصا.  

أنتم ممن دعوا الجيش إلى حماية الحراك الشعبي وسلمية التظاهر، هل مازلتم تعلقون بعضا من الأمل على المؤسسة العسكرية في تحقيق مطالب التغيير المرفوعة في الشارع الجزائري؟

نعم لفد دعوت الجيش لحماية المتظاهرين السلميين لأن ذلك هو جزء من مهامه الدستورية وقد استجاب لذلك بل وصرح قائد أركانه قبل الجمعة التاسعة بأنه وجه تعليمة رسمية في هدا الخصوص ونحن نشكره على ذلك وبفضل الله أولا ثم بفضل موقف الجيش الوطني تجاه الحراك الشعبي السلمي مرت مسيرات الجمعة التاسعة عموما بسلام وأمان عدا بعض التجاوزات المعزولة والتي ندينها ونتمنى أن لا تتكرر.

ولازلت مقتنعا الى حد كبير بأن مؤسسة الجيش الوطني الشعبي هي المؤسسة الجمهورية الوحيدة التي ظلت بعد هذا الزلزال السياسي العنيف متماسكة ومحافظة على كامل قواها وقدراتها وأنها هي وحدها القادرة على حماية الدولة من الانهيار بمعاونة الشعب ومختلف كوادره الوطنية المخلصة لهدا الوطن، لان بقية مؤسسات الحكم المدنية قد انهارت بعد سقوط الرئيس المعزول الذي كان قد حول خلال مرحلة حكمه التي دامت عشرين سنة الجمهورية الجزائرية إلى ما يشبه مملكة غير معلنة.

فق عمد الى تحطيم وتفتيت جميع مؤسسات الدولة واحتفظ فقط لنفسه  بالزعامة المطلقة على ما دون ذلك.. ومن اجل تثبيت أركان زعامته فقد عمد الى تحطيم وتشويه كل مؤسسات الجمهورية وفي مقدمتها المؤسسة التشريعية بغرفتيها (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الامة) والتي كانت حينها حديثة الولادة بل تم إخضاعها لولادة قيصرية في ظروف صعبة ومعقدة  في منتصف عام1997م.

وعندما جيء ببوتفليقة للحكم في نهاية عام1999م لم تكن هذه المؤسسة التشريعية فد استعادت عافيتها خاصة وقد شابها تزويرا فاضحا اثر على مصداقيتها لدى الجماهير.

بوتفليقة سعى إلى إخضاع كل مؤسسات الجمهورية لهيمنته المطلقة

وبالنظر الى طموح بوتفليقة في أن يكون رئيسا كاملا وليس ثلاثة ارباع الرئيس كما صرح بذلك لاحقا فقد كشف الواقع عن جزء من إستراتيجيته الغير معلنة والتي كان من أولوياتها إخضاع كل مؤسسات الجمهورية لهيمنته المطلقة وفي مقدمتها المؤسسة التشريعية ( بغرفتيها) والتي يفترض وفق أحكام الدستور أن تكون ممثلة للإرادة الشعبية وتتمتع باستقلالية كاملة في التشريع عن الجهاز التنفيذي التابع لبوتفليقة، إضافة الى تمتعها بصلاحية الرقابة على الحكومة وعلى المال العام... لكن الرئيس بوتفليقة بدهائه المعهود عمد منذ الوهلة الاولى الى تشويه صورتها أمام الرأي العام عبر استعمال التزوير الشامل والمفضوح لصالح أحزاب السلطة.

 كما عمد الى تشويه  صورة البرلماني أمام  الرأي العام باستخدام وسائل الإعلام العمومية والخاصة،وذلك بهدف هيمنته على غرفتي التشريع بما يضمن حصوله على المال الكافي  لتمرير مخططاته الاقتصادية..وأما المؤسسة الثانية التي تعرضت للاغتصاب من قبل الرئيس فهي مؤسسة القضاء حيث جعلها أداة من أدواته تعمل تحت إمرته وبتوجيهه وقد كان يفترض تبقى فوق الجميع وأن تعمل في استقلالية تامة عن الجهاز التنفيذي.

وأما الإعلام العمومي والذي هو ملك للمجموعة الوطنية فقد ظل حكرا للسلطة دون سواها، بحيث يتصرف فيه كما يتصرف في ماله الخاص.

وتحولت مؤسسات الجمهورية كلها الى مجرد وسائل وأدوات بيد الزعيم الأوحد الذي انفرد بتعيين الحكومات والولاة والسفراء وحتى مسئولي المؤسسات المالية وأرباب العمل وعندما انتفض الشعب في هبته المباركة للمطالبة برحيله أو عزله عمد إلى زرع حقولا  من الألغام الموقوتة وظل يهدد بها الحراك الشعبي حتى بعد رحيله يوم 2 أفريل 2019 م وإلى يومنا.

 ولنا أن نتصور دولة بحجم الجزائر بلا مؤسسات مدنية بل تسيرها عصابة أشرار متهمين بالفساد وبتبديد المال العام ومرفوضين جملة من قبل الشعب ومع ذلك ما يزالون  يتصرفون بمنطق العصابة ويعملون على تعفين الوضع وتأزمه أكثر مما هو عليه وأخطر من ذلك أنهم تحالفوا مع جهات أجنبية مشبوهة كما قال قائد الاركان من أجل الالتفاف على مطالب الحراك الشعبي والطعن في مصداقية الجيش الوطني الشعبي.

وهكذا يبين بوضوح بأنه لم يقى للدولة الجزائرية حاليا سوى مؤسسة الجيش الوطني الشعبي التي تتحمل اليوم عبئا إضافيا ومسؤولية ثقيلة وكذلك الشعب الذي استرجع كرامته وجزء من سلطته..

وخلال هذا التشخيص المختصر للواقع الحالي فإنه يبدو أنه لا مفر من تعاون وتكامل الشعب مع جيشه  في سبيل المحافظة على الوطن وإنقاذ سفينته.

إذا فالشعب هو سيد في اختيار حكامه وفي محاسبتهم وعزلهم عند الاقتضاء، والجيش هو حامي الوطن والسيادة والشعب من مختلف المخاطر التي قد تهدد سلامته.. ومن ثمة فأملي كبير في أن يساهما معا وفق تقاسم للأدوار في تجاوز هذه الأزمة السياسية بحكمة وبأقل فاتورة، لكن على الجيش أن يبقى ضمن حدود الصلاحيات  التي ضمنها له الدستور.

الجزائر | أخبار وتحاليل – أنا نيوز | ana news – موقع إخباري يصدر من الجزائر، تديره على مدار الساعة شبكة صحفيين ومشرفين محترفين. يناقش كل القضايا بأفكار جديدة، يواكب الأحداث الوطنية والدولية ويتحرى الموضوعية والحياد في التحليل، والحجة في التعليق. كما يهتم بموضوعات المجتمع وانشغالات المواطنين، ويفتح النقاش والتفاعل مع القراء عبر التعليقات وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.