عاجل
قايد صالح: لدينا معلومات مؤكدة عن تخابر أحزاب ضد الوطن وسنكشف عنها في الوقت المناسبالإثنين، 02 أيلول/سبتمبر 2019 17:55
قايد صالح: الجيش لن يكون طرفا في الحوار حتى انتخاب رئيس جديد للبلادالإثنين، 02 أيلول/سبتمبر 2019 18:17
قايد صالح: مكافحة الفساد ترتكز على معلومات صحيحة ومؤكدةالثلاثاء، 21 أيار 2019 14:26
تحديث : الأربعاء, 17 نيسان/أبريل 2019 15:22

جرافة: عصابة الفساد فككت كل مؤسسات الدولة ولم يبق إلا الشعب والجيش

يبدي الناشط السياسي والقيادي الفاعل في الحراك الشعبي، عز الدين جرافة، كثيرا من الأمل، في أن تحقق الانتفاظة الشعبية السلمية التي تعيشها الجزائر منذ اسابيع هدف التغيير الذي نادى به الشعب، واعتبر في هذا الحوار مع "أنا نيوز"، دور الجيش مهم وضروري باعتباره المؤسسة الوحيدة المتبقية إلى جانب مؤسسة العب، بعد أن تعرضت باقي مؤسسات الدولة إلى التفكك، نتيجة منظومة الحكم الفاسد.

حوار: إسماعيل. م
حوار: إسماعيل. م
1338
القيادي والناشط السياسي، عز الدين جرافة القيادي والناشط السياسي، عز الدين جرافة صورة: ح.م

أحزاب المعارضة حاولت ركوب موجة الحراك ولم تفلح


الانتفاظة الشعبية ضد منظومة حكم الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، تدخل شهرها الثاني، بكل موضوعية هل تحقق شيئ من أهداف الحراك الشعبي؟

قبل الجواب على سؤلك الاول المتعلق بأهداف الحراك الشعبي ارى انه يستحسن بنا ان نعود قليلا الى الوراء وبالضبط الى مسيرات الجمعة الاولى الموافقة ليوم 22 فيفري2019م... حيث كان الشعار واضحا بما فيه الكفاية وهو رفض الشباب المتظاهر حينها لترشح الرئيس بوتفليقة المريض والعاجز عن الحركة بصفة كلية (لا للعهدة الخامسة..الجزائر في خطر).

لكن العصابة الغير دستورية التي كانت تحكم من خلف الستار رفضت الاستجابة لتلك المطالب على الرغم من كون تلك المسيرات كان تعداده بالملايين واتسمت غالبيتها بسلمية كبيرة وبأسلوب حضاري فاق كل التوقعات... مما دفع بالمتظاهرين الى تنظيم مسيرات مليونية  جديدة وكانت وشاملة للوطن كله وبنفس المواصفات السابقة  على مدار خمسة جمعات متتالية لغاية الثامن من مارس 2019م.. لكن في المقابل لاحظ الجميع كيف أظهرت الرئاسة ومن ورائها العصابة المتخفية إصرارا على ترشيح بوتفليقة بل وقدمت ملف ترشحه للمجلس الدستوري وعينت مكلفين بإدارة الحملة الانتخابية وشرعت في جمع التوقيعات ضاربة بعرض الحائط كل ما حدث خلال المسيرات المليونية التي لم تكن مسبوقة.

وبعد صدور الرسالة الاولى التي تليت باسم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أثاء تقديم ملف ترشحه والتي كانت تحمل تحدبا  صارخا للمتظاهرين  بل واستفزازا لهم..خرجت عشرات الملايين من المواطنين والمواطنات ليؤكدوا إصراهم على رحيل بوتفليقة وعدم قبول خارطة طريقه نحو المستقبل...مما أرغم الرئيس بوتفليقة على الاعلان عن الانسحاب من الترشح لكنه أصر على مواصلة مكره بالاعلان مجددا عن خارطة إصلاحات سماها جوهرية تم رفضها من قبل المتظاهرين جملة وتفصيلا حيث جددوا مطالبته بالرحيل فورا ودون شروط وأن يرحل معه جميع أفراد العصابة ومعهم رموز الفساد المالي. وقد استمر هذا التدافع الذي كان يتميز بالإصرار والإصرار المضاد إلى أن تدخل الجيش ويحسم في الجولة الاولى من هذا الحراك حيث ارغم الرئيس على الاستقالة بعد دعوته لاعلان حالة الشغور عبر تفعيل المادة 102 من الدستور.

وانطلاقا من هذا نقول بان الحراك الشعبي قد حقق أهدافا أساسية، لكنه لم يصل إلى قوته إلا بعد 30 مارس عندما طالب بالتنحي الفوري للرئيس بوتفليقة مجددا ووقوف الجيش إلى جانب الشعب إلى أن تتحقق  كامل مطالبه المشروعة، وكاشفا عن دور خطير لعصابة غير دستورية كانت ولا تزال تستخدم أساليب المكر والخديعة ..وحينها فقط أعلن بوتفليقة عن استقالته من رئاسة الجمهورية لتدخل البلاد في مرحلة جديدة.

 تحقق الجزء الكبير من مطالب الحراك الشعبي، لكن ما تزال أشياء أساسية اخرى عالقة بسبب تماطل ومراوغة بقايا العصابة وأعوانهم

ومن هذه المعطيات الميدانية أستطيع أن أجيبكم على سؤالكم (هل حقق الحراك الشعبي  شيء من أهدافه.. وماذا تبقى منها..) فأقول باختصار.. لقد تحقق الجزء الكبير من مطالب الحراك الشعبي التي أشرنا إليها أعلاه وهو الحلقة الأصعب في السلسة. فلم يكن من السهل توقع حصولها قبل اليوم ولكن ما تزال أشياء أساسية اخرى عالقة بسبب تماطل ومراوغة بقايا العصابة وأعوانهم، ومنها على سبيل المثال فقد اسقط العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتغليقة على الرغم من ذلك الاصرار والتعنت والمراوغة التي مارستها الرئاسة والعصابة الغير دستورية المتخفية وراء بوتفليقة.

كما اسقط الحراك الشعبي مشروع تمديد العهدة الرابعة وما انبثق عنه من خارطة طريق تتيح له البفاء في الحكم لستة او يزيد وذلك  بفضل استمراره بلا هوادة في مسيراته السلمية والتي كانت في كل مرة  مليونية وشاملة لمختلف نواحي الوطن وبفضل عزيمته الفولاذية واصراره الغير قابل للتفاوض على مطالبه الاساسية والجوهرية ارغمه على الاستقالة على الرغم من محاولة العصابة الاستقواء بالخارج وخصوصا بفرنسا ووكلائها في الداخل والتي وصلت حد التواطؤ مع اطراف من المخابرات الفرنسية، لكن نجاحه لحد الآن ليس كاملا ولا نهائيا لانه لا تزال أمامه عقبات فرضها الواقع الجديد ولذلك اعلن عن استمراره فب حراكه بلا هوادة وبكل حزم وستستمر المسيرات المليونية مادامت المراوغة والمكر والخديعة لا تزال قائمة ..لكن عليه ان يتحلى بمزيد من اليقظة والتفطن لكي يفوت الفرصة على جميع المتربصين داخليا وخارجيا 

مالذي تبقى، وهل تتوقع نهاية قريبة للمظاهرات والمسيرات السلمية والعودة إلى عمل سياسي داخل هيئات ومؤسسات بذل الشارع؟

الجواب على هذا السؤال هو في نفس السياق مع السؤال الاول وخلاصته أن ما تبقى من مطالب الحراك المعلنة هوفي حقيقة الأمر قليل، وهي ليس أصعب مما سبق.

لقد بقي ان ترحل رموز بقايا العصابة وخاصة الشخصيات المرتبطة بالرئيس المعزول وفي مقدمتها بن صالح وبدوي وبلعيز وبوشارب وذلك بسبب المناصب التي يحتلونها حاليا في سلم السلطة...ولذلك تركزت مطالب الحراك الشعبي  خلال الجمعتين الماضيتين أساسا على رحيل الباءات الأربع وسوف تستمر...ولا أتوقع أن توقف هذه المسيرات على الأقل على المدى القريب وقبل أن تحقق هذه المطالب التي رفعت خلال مسيرات الجمعات السابعة والثامنة، لان الشعب أحس بأنه قد استرجع حريته التي ستمكنه من المطالبة باسترجاع حقه الدستوري كاملا حتى يصبح سيدا بمعنى الكلمة وعندها يستطيع أن يفوض من يشاء  ويعزل من يشاء وقتما يشاء.     

ويمكن ان نقول بلا تقديس ومبالغة بأنه في هذه الحالة التي نعيشها اليوم والتي وصلت اليها الجزائر بسبب الاخفاقات المتكررة للسلطة السياسية على مختلف الاصعدة وبسبب الفساد المستشري فإنه لم يتبقى للدولة الجزائرية سوى المؤسسة العسكرية بمختلف مكوناتها والشعب بمختلف نخبه اما المؤسسات الأخرى فهي في حالة تفكك لم يسبق له مثيل.

جدل كبير حول دور المؤسسة العسكرية مما يحصل في البلاد، برأيك، أين يقف الجيش خصوصا والمؤسسة الأمنية عموما مما يحصل في البلاد؟

المؤسسة العسكرية لها دور بارز وحيوي للغاية بحكم صلاحياتها الدستورية من جهة وبحكم طبيعة نشأتها وتكوينها من جهة ثانية فهي تعتبر في الحالة الجزائرية امتدادا طبيعيا لجيش التحرير الوطني الذي أرغم فرنسا الاستيطانية على الرحيل اما من جهة ثانية فهو كما تدل التسمية جيشا وطنيا بما يعني انه مكلف بحماية الوطن والحدود والسيادة وليس الأشخاص، وهو جيش شعبي أي انه جزء لا يتجزأ من الشعب تكوينا وممارسة ومكلف بحماية الشعب من كل مكروه. وهذا ما كرسه الدستور ايضا لا سيما في المادة 28.

ويمكن ان نقول بلا تقديس ومبالغة بأنه في هذه الحالة التي نعيشها اليوم والتي وصلت اليها الجزائر بسبب الاخفاقات المتكررة للسلطة السياسية على مختلف الاصعدة وبسبب الفساد المستشري فإنه لم يتبقى للدولة الجزائرية سوى المؤسسة العسكرية بمختلف مكوناتها والشعب بمختلف نخبه اما المؤسسات الأخرى فهي في حالة تفكك لم يسبق له مثيل.

وانطلاقا من هذا أقول أن الوطن في هذه الايام هو في أمس الحاجة إلى الجيش الوطني الشعبي كمؤسسة وليس كأفراد إضافة الى الشعب الواعي الذي يعتبر الجيش جزء منه وأنه كلما كان التفاهم والتلاحم والتكامل في الأدوار بينهما كلما قلصنا من الفجوة التي تفصلنا عن استعادة بقية المؤسسات والخروج من الأزمة بأخف الأضرار.

الحراك الشعبي يواجه تهديدا متعدد الأوجه والأضواء مسلطة عليه بقوة ومحاولات التدخل الخارجي في الشأن الداخلي باتت معلومة

أما واقعيا فيصعب التكهن بما سيحدث في ظل هذه التجاذبات الداخلية والخارجية وفي ظل التحديات الحالية على اعتبار أن الجيش اليوم يعمل على محورين وكلاهما يحمل تحديا كبيرا ويتطلب جهودا نوعية، فعلى المحور الخارجي يواجه تهديدا متعدد الأوجه والأضواء مسلطة عليه بقوة ومحاولات التدخل في الشأن الداخلي باتت معلومة.. فيما يعاني المحور الداخلي من انقسامات حادة وتباعد في الرؤى وتضارب في الخيارات وكل ذلك زاده غياب السلطة السياسية او حدوث خلافا حادا حولها..وكل ذلك يضاعف من الواجب ويرقع من سقف المسؤلية لهذه المؤسسة الوحيدة المتبقية..اما على المستوى الامني فحدث ولا حرج فاحتمالات الانزاق قائمة واحتمالات الاختراق قائمة على مختلف الاتجاهات..والحراك المستمر وبمطالبة الشرعية واسلوبه السلمي و الحضاري هو تحديا في حد ذاته ولا بد من ايجاد حلول تكون مقبولة من طرفه..ومن هنا اقول بأن مهمة الجيش عموما والمؤسسة الامنية خصوصا  هي مهمة صعبة وتتطلب حكمة عالية وبصيرة نافذة والتزاما وطنيا عاليا بحيث تنتصر للوطن والشعب قبل شيء.

وفي هذا السياق اقول للذين يتحاملون على مؤسسة الجيش الوطني في هذه الظروف العصيبة التي اشرنا اليها أعلاه. فحذار ان تحلبوا في اناء فرنسا الرسمين او في اناء مخابراتها المكافة بالملف الجزائري ولو بأهداف مختلفة أو بحسن نية منكم..اغرف أن الهواجس من عسكرة الحكم والدولة ما تزال ماثلة وإرهاصاتها على المستوى العربي ما تزال ماثلة...لكن لا ينبفي ولا يجوز ان ان نقع في الخطأ الذي يصغب تصحيحه فنخسر حاضرا ومستقبلا..لان مؤسسة الجيش عندنا في الجزائر وخاصة حاليا هي ليست راغبة بالاصل في الحكم بالأسلوب المتعارف عليه وقد صرحت مرارا بانها ملتزمة بمهامها الدستورية وهي ليست في حاجة لعسكرة الحكم على الاطلاق لكن الواقع الحالي ومهامها الاساسية يفرضان عليها ان تساهم في الحل وترافقه الى ان يبلغ رشده على ان تبقى السلطة في جميع الحالات سلطة مدنية.. 

لاتزال الأجهزة التنفيذية في الدولة والتشريعية تحكمها رموز من محيط بوتفليقة ومنظومة حكمه، هل هؤلاء فعلا هم من يقررون حتى ونحن في عز الحراك، أم أنهم واجهة لجهات أخرى نافذة؟

خلال عشرين سنة من حكم بوتغليقة  فقد تحولت  مؤسسات الدولة كلها الى مجرد لجان تنفيذية لدى الرئيس بوتفليقة بما في ذلك الحكومة والوزراء ومجلسي النواب والسفراء والولاة وحتى مسؤولي المؤسسات الكبرى..وبعد مرض الرئيس والتزامه فراش المرض نتج ما يسمى بالحكم بالوكالة وتكونت عصابة خفية غير دستورية اختطفت كل صلاحيات رئيس الجمهورية التي اشرنا اليها ومع الوقت أصبحت جميع المؤسسات والمسؤوليات العليا تعمل كلجان تنفيدية لدى هذه العصابة  واستمر هذا الوضع بشكل نسبي حتى بعد استقالة الريس المنتهية ولايته وهو ما زاد في تعقيد الازمة وأخر عملية الحل المنتظر..ومن خلال هذا الوصف والتشخيص أقول ردا على سؤالك بان هذه الرموز التي اشر تاليها في سؤالك ليس لها من الامر شيء انما أمرها عند هذه العصابة وبيدها وهؤلاء مجرد منفذين. ولذلك تراهم غير مهتمين ولا مكترثين بالحراك الشعبي ولا بمطالبه المتصاعدة ولا بهتافاتهم في كل جمعة ارحلو..ارحلوا..ومن ثمة فإن خطورة بقاء هؤلاء في مناصبهم هو خطر مضاع  حتى ولو كان بعضهم كفؤا في تخصصه فهو يسير من قبل غيره.

كيف تقييمون موقف المعارضة من الانتفاضة الشعبية وهل لعبت أحزاب التيار الإسلامي خصوصا دورا ايجابيا في الحراك الشعبي؟

المعارضة في الجزائر تعيش حالة من الضعف والوهن لعدة أسباب ليس المجال لذكرها ولم يعد لها دور الا في الشكليات وكنتيجة طبيعية لضعفها انفض الشعب من حولها فأصبح معظمها عبارة عن هياكل حزبية  بلا روح وبلا فعالية فتقلص دورها وتراجعت أولوياتها حتى أصبح بعضها لا بهمه سوى المحافظة على الاعتماد الرسمي الذي سلم لها من طرف وزارة الداخلية يعني ما يشبه المحافظة على السجل التجاري.

وأما الأحزاب الإسلامية فهي جزء من هذه الأحزاب التي أشرت اليها فبعضها لم يبق له الاسم بحيث أصبح الوعاء الإسلامي في واد والأحزاب المسماة اسلامية في واد آخر، إضافة الى التشرذم والانقسامات. وقد كانوا يتسترون وراء مبررات واهية كون السلطة الاستبدادية هي السبب الرئيسي وراء ضعفهم وان الشعب قد استقال من العمل الحزبي والسياسي بسبب ممارسات تلك السلطة، الا انها كانت في الغالب أسبابا واهية الى أن جاءت هذه الهبة الشعبية المباركة وهذا الحراك الذي أعاد بعث الأمل في النفوس بعد ان حررها من الأوها، وعندها فقط تحركت احزاب المعارضة المتعددة الإيديولوجية  فشرعت في البحث عن  تكتلات تقوي صفوفها بما يجعلها تستفيد حسب وهمها من نتائج وإفرازات هذا الحراك لكن الحراك تجاوزها جميعا ان في تحرره او في مطالبه الواضحة وان في الأسلوب الذي اختاره لتحقيق مطالبه وهي المسيرات السلمية التي تحدثنا عنها اعلاه.

وبالرجوع الى سؤالك الذي مفاده هل لعبت هذه الاحزاب المعارضة بما فيها الأحزاب الاسلامية  دورا ايجابيا خلال مدة هذا الحراك، اقول بانه على الرغم ان هناك تباينا نسبيا بينها حول هذا الدور الا اننا نستطيع ان نقول بان الايجابية الوحيدة المسجلة في هذا السياق انما تكمن في انخراطها اللامشروط في الحراك الشعبي وتبني مطالبه جملة رغم أن بعضها حاول ركوب موجته وتوجيهه الوجهة التي يريد غير أن الجميع فشل في ذلك حيث ظل الحراك مستقلا تماما عن الاحزاب والزعامات.

البعض يربط انتفاظة الشعب اليوم بما حصل في انتفاضة 1988 وما أعقبها من أحداث مؤلمة في التسعينيات، هل يتشابه الوضع وأين أوجه الاختلاف؟

ربما وجه الشبه الوحيد بين الحراك الشعبي الحالي وانتفاضة أكتوبر88 يمكن حصره في كون الحكم الاستبدادي ونظام حكم الفرد مآله الاخفاق والفشل مهما دعمته القبضة الحديدية للبوليس ومهما طالت مدته أو قصرت..فتقريبا هي نفس الاسباب ونفس النتائج تقريبا..وأما عن أوجه الإختلاف بينهما فهي عديدة ومتنوعة سأذكر منها.

انتفاضة 88 لم تكن ضد رئيس الجمهورية ولم تطالب برحيله بل سمحت له بالترشح لعهدة جديدة بعد تعديل الدستور في 1988، بينما الحراك الشعبي الذي لم يتوقف بعد طالب منذ الوهلة الاولى برحيل الرئيس واستمر في ذلك لثمانية أسابيع متتالية وما يزال مستمرا في نفس الخيار.

انتفاضة أكتوبر88 انطلقت من مطالب اجتماعية متباينة  وكانت في بدايتها متمركزة في العاصمة ..في حين الحراك الشعبي الشامل رفع منذ الوهلة الأولى مطلبا سياسيا واضحا لا يحتمل التأويل ولا التحريف وهو رفض العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وقد اكتسى طابعا وطنيا منذ الجمعة الاولى واستمر على ذلك في الأسلوب والممارسة تباين واضح بينهما حيث اتسم أسلوب انتفاضة أكتوبر88 بشيء من العنف والحرق والتكسير استهدف مقرات الحزب الحاكم وبعض مؤسسات الدولة..في حين اتسم أسلوب الحراك الشعبي الحالي بسلمية كبيرة وبأسلوب حضاري شهد عليه العالم أجمع.

في انتفاضة 88 كان التظاهرات والاحتجاجات متواصلة خلال أيام الاسبوع لكن لم يشارك فيها الشعب بمختلف أطيافه ومكوناته وقد تخللها احتكاك عنيف أحيانا مع قوات حفظ الامن ومكافحة الشغب.. في حين اختار الحراك مسيرات أسبوعية شارك فيها الشعب بمختلف أطيافه ولم يقع احتكاكا مع قوات مكافحة الشغب لسبب واحد أنه لم يكن هناك شغب أصلا.

من حيث المدة الزمنية استمر الحراك الشعبي الحالي لثماني أسابيع متتالية وبدون انقطاع... فيما لم تدوم انتفاضة 88 سوى اسبوع واحد بعدها خاطب رئيس الجمهورية الأمة وأعلن عن إصلاحات قال عنها بأنها جوهرية.

انتفاضة 88 لم تكن ضد رئيس الجمهورية ولم تطالب برحيله بل سمحت له بالترشح لعهدة جديدة بعد تعديل الدستور في 1988، بينما الحراك الشعبي الذي لم يتوقف بعد طالب منذ الوهلة الاولى برحيل الرئيس واستمر في ذلك لثمانية أسابيع متتالية وما يزال مستمرا في نفس الخيار.

المعركة اليوم واضح انها ضد زمرة الفساد، هل تتوقعون عودة الصراع الحزبي والايديولوجي الى الساحة السياسية؟

 واضح تماما بأن معركة الحراك الشعبي اليوم لها رايتين ومحورين.. فمحورها الاول ورايتها الاولى هي المطالبة برحيل المنظومة الفاسدة والفاشلة لحكم بوتفليقة وزمرته ومن ارتبط معهم في الفاسدين والمفسدين من رجال المال الفاسد الذين نهبوا المال العام   بغير حق وتسببوا في إفلاس شبه كلي للخزينة العمومية. أما المحور الثاني والراية الثانية لهذا الحراك الشعبي فهو رفض كل وصاية على الشعب ومن أي كان واسترجاع السادة الشعبية وحق الشعب  في اختيار حكامه على جميع المستويات اختيارا حرا وشفافا بعيدا عن كل انواع التزوير أو المصادرة للارادة الشعبية وكذلك في عزل كل حاكم يراه الشعب قد اخل بالتزاماته او لم يقوم بواجباته على الوجه المطلوب.

دور الاحزاب السياسية ومهامها سوف تتغير تدريجيا وسوف تعرف الساحة السياسية تدافعا فكريا جديدا مبنيا على قناعات جديدة

وهذا من دون شك سوف يجعل الاحزاب السياسية كلها تحت رحمة هذا الشعب وليس العكس كما كان من قبل أين تحولت الاحزاب  السياسية الى مؤسسات فوق الشعب وكأنها وصية عليه أو أنه بالنسبة اليها ليس سوى مجرد وسيلة أو مطية تستخدم فقط في الانتخابات المختلفة.

ان تحرر الشعب بهذا المستوى  وهو ما ظهر جليا عبر رفضه لوصاية الاحزاب والزعامات عليه لهو مؤشر ايجابي قد يعيد الامور الى نصابها ومنها أن الشعب هو الهدف والمحور وأما الاحزاب والجمعيات والنقابات فما هي سوى وسائل لتحقيق تطلعات هذا الشعب، ووفقا لهذه الرؤية وهذا التوجه العام الذي سيفرض على الجميع نرى بأن دور الاحزاب السياسية ومهامها سوف تتغير تدريجيا وسوف تعرف الساحة السياسية تدافعا فكريا جديدا مبنيا على قناعات جديدة، وسوف يعود التدافع الهوياتي المنطلق من المرجعيات الفكرية والحضارية لكن الفاصل فيه انما هو الشعب الذي سوف يظل فوق الجميع.

هل سينجح بن صالح في قيادة المرحلة الانتقالية، وإلى أي حد سيصل الحراك الشعبي في ادراك مطالب التغيير المرفوعة؟

في ظل الواقع الجديد وانطلاقا من المهمة المحددة دستورا لبن صالح كرئيس مؤقت للدولة ولفترة لا تتعدى 90يوما.. وفي ظل المشهد السياسي العام الرافض لبن صالح ولبدوي وبليعيز وفي مقدمته موقف الحراك الشعبي الذي ما يزال هو المهيمن على الشارع بكليته فإنني أرى بأن هذه المهمة الجديدة  لبن صالح هي مهمة مستحيلة التنفيذ وذلك للاسباب التالية:

كونه سوف يتحرك في جو ملغم والاطراف التي يحتاج التحاور معها لتمرير مهمته هي كلها رافضة له بل ومعترضة عليه وعلى منصبه الجديد ..فأحزاب المعارضة كلها رافضة ..وحتى أحزاب الموالاة التي تعيش حاليا تفككا داخليا وانحسارا شعبيا لها حسابات قد لا تتلاقى مع مهمة بن صالح الجديدة..وأما المجتمع المدني فجل جمعياته ونقاباته هي اليوم منخرطة في الحراك الشعبي الرافض لبن صالح جملة.. فمع من سيتحاور بن صالح  لتحقيق هذا الانتقال الذي حدد الجيش الوطني إطاره وعناصره وهي ( التوافق في الرؤى.. والقبول من كل الأطراف..والتجاوب مع مطالب الشعب)...فكل ذلك يؤكد بأن مهمة بن صالح هي مهمة شبه مستحيلة إذا لم نقل بأنها مستحيلة، اللهم إلا إذا فرضت  هذه  الخيارات على الشعب من جديد.. وفي هذه الحالة فإننا نخشى  أن يفتح بابا واسعا  أمام  منزلقات  خطيرة لا قبل لنابها ولا تستطيع أية جهة أن تتحكم في مآلاتها.

كون صلاحيات بن صالح كرئيس مؤقت للدولة هي محدودة جدا.. فلا يحق له على سبيل المثال أن ينشئ هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات باعتبار ذلك يتعارض مع منطوق الدستور الحالي زيادة على الاستحالة العملية بحكم الواقع الذي اشرنا اليه.

كون الحكومة الحالية  وزارة الداخلية فيها تحديدا لا تملك حق إنشاء وتعيين رئيس وأعضاء الهيئة الدستورية للإشراف على الانتخابات زيادة على كونها مرفوضة شعبيا ومن طرف الحراك بل ومتهمة بالتزوير وبمصادرة الإرادة الشعبية ولا تزال قصة استمارات ترشيح بوتفليقة والتي تجاوزت 5 ملايين استمارة في ظرف قياسي ماثلة أمام أعين المواطنين والمواطنات.

كون رئيس المجلس الدستوري الذي سوف يتولى استقبال ملفات الترشح والفصل فيها والإعلان على نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة هو ذاته محل شبهة ومرفوض شعبيا والحراك لا يزال يطالب برحيله، فكيف يستطيع بن صالح وفي ظرف ثلاثة أشهر أو أقل أن يحقق هذه المهمة المستحيلة إلا إذا كانت معجزة.

أما الحراك الشعبي فقد حقق جملة من مطالبه كما أشرنا أعلاه ويبدو أنه مصمم على استكمال تحقيق كافة مطالبه عبر المسيرات السلمية والاحتجاجات القطاعية وما تزال بيده عدة وسائل عديدة ما لم يتم اختراقه أو تقسيمه أو استدراجه لمعارك هامشية.ولديه اليوم سندا قويا هو الجيش الذي أعلن قائد أركانه بأنه سيظل مع الشعب وإلى جانبه حتى يحقق كامل مطالبه المشروعة.

الذين يتحدثون عن رفضهم لتدخل الجيش في الحياة السياسية في مثل الظروف التي تمر بها البلاد لهم أجندات أخرى وهم يستعملون ذلك كقميص عثمان والحقيقة أن فرنسا الرسمية هي من تدخلت أولا ضد الجيش الجزائري وقيادته الحالية لأغراض مشبوهة وما هؤلاء السياسيين والاحزاب الناعقة برفضها لعسكرة الدولة والحكم سوى صدى وترجمة لموقف فرنسا

وجهتم مؤخرا رسالة إلى قيادة اركان الجيش تناشدونها بحماية الشعب والانتصار للمطالب المرفوعة، ألا يفهم من هذا دعوة لتدخل الجيش؟

إطلاقا لا يعتبر ذلك تدخلا للجيش في السياسة، لأن حماية الشعب من المخاطر المحدقة هي من صلب واجبات الجيش الوطني الشعبي وهذا ما صرحت به قيادة الاركان نفسها في أكثر من مرة.. بل لقد ذهب  الفريق قايد صالح أبعد من ذلك حين قال.. ( لقد عاهدت الله أن أبقى وفيا للوطن وأن أحمي الشعب الجزائري من كل مكروه.. وأن أبقى إلى جانب الشعب إلى أن تتحقق جميع مطالبه)... فأين هو المشكل في ذلك طالما جيشنا الوطني الشعبي يتخندق مع الشعب الذي هو جزء لا يتجزأ منه.. ثم إن الجيش ما فتيء يصرح بأنه سوف يظل يتحرك ضمن صلاحياته الدستورية.. إن الذين يتحدثون عن رفضهم لتدخل الجيش في الحياة السياسية في مثل الظروف التي تمر بها البلاد لهم أجندات أخرى وهم يستعملون ذلك كقميص عثمان والحقيقة أن فرنسا الرسمية هي من تدخلت أولا ضد الجيش الجزائري وقيادته الحالية لأغراض مشبوهة وما هؤلاء السياسيين والاحزاب الناعقة برفضها لعسكرة الدولة والحكم سوى صدى وترجمة لموقف فرنسا... والدليل أن هؤلاء جميعا ومعهم فرنسا كانوا قد وقفوا إلى جانب الانقلاب العسكري ضد الارادة الشعبية عام 1992مواعتبروا ذلك حماية للجمهورية في حين أن الجيش اليوم لم يتخل لحد الآن ضد الشعب ولم يقمع المسيرات السلمية بل حماها ولا يزال.

 كثيرا ما تتحدث تحاليل عن الدور الأجنبي في ما يحصل بالجزائر، من هي القوى الخارجية التي تعمل على توجيه الأحداث وانتاج المرحلة المقبلة؟

 في الحقيقة كنا نحذر من خطر المؤامرات ضد الأمة العربية والإسلامية  ومنها الجزائر وكان ذلك من منطلق الآية الكريمة (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا) لكننا بفضل هذا الحراك  الشعبي الذي تعيشه الجزائر أصبحنا نلمس حقائق مادية على وجود محاولات لتدخل أجنبي سافر في الجزائر وخاصة من قبل فرنسا الرسمية ومخابراتها المكلفة بالملف الجزائري.. و تمثل ذلك التدخل في محاولاتها أن تحشر أنفها في التدافع بين الشعب ورئاسة الجمهورية عندما حاولت الانتصار للعهدة الخامسة لبوتفليقة ثم الانتصار لتمديد العهدة الرابعة عبر تزكيتها لرسالة بوتفليقة بهذا الخصوص في الوقت الذي كانت شوارع العاصمة وساحاتها وكذا كل ساحات وشوارع الوطن تعج بالمتظاهرين السلميين المطالبين برحيل بوتفليقة وعصابته.

ووصولا إلى رفضها لتدخل الجيش الوطني عندما اقترح تفعيل المادة 102من الدستور ودعوته لحل عاجل يضمن الاستجابة لمطالب الشعب المشروعة..ولم تتوقف مخابراتها المكلفة بهذا الملف عند ذلك الحد بل راحت تحاول عبر وكلائها وبقايا البذرة الخبيثة في الجزائر أن تزرع الشك في صفوف المتظاهرين وأن تحدث فتنة بين الشعب وجيشه على اعتبار أن الشعب طالب برحيل الفريق قايد صالح بل والدعوة لمحاكمته.

ولم يتوقف هذا المشروع ألتدميري عند هذا الحد، بل واصل مسيره في محاولة لإنتاج المرحلة المقبلة وفق تصورات تم وضعها من قبل مخابر فرنسية متخصصة وبالتعاون مع بقايا العصابة التي أشرنا إليها أعلاه ومعهم أصحاب الأطماع المشبوهة..لكن عناية الله وحرص الوطنيين المخلصين ووعي شباب الحراك الشعبي فوت الفرصة على الجميع.

الجزائر | أخبار وتحاليل – أنا نيوز | ana news – موقع إخباري يصدر من الجزائر، تديره على مدار الساعة شبكة صحفيين ومشرفين محترفين. يناقش كل القضايا بأفكار جديدة، يواكب الأحداث الوطنية والدولية ويتحرى الموضوعية والحياد في التحليل، والحجة في التعليق. كما يهتم بموضوعات المجتمع وانشغالات المواطنين، ويفتح النقاش والتفاعل مع القراء عبر التعليقات وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.